فخر الدين الرازي

187

تفسير الرازي

* ( أفتعبدون ) * ولقوله : * ( أفلا تعقلون ) * . قوله تعالى * ( قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَانصُرُواْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يا نَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَامَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الاَْخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الاَْرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ) * اعلم أنه تعالى لما بين ما أظهره إبراهيم عليه السلام من دلائل التوحيد وإبطال ما كانوا عليه من عبادة التماثيل أتبعه بما يدل على جهلهم ، وأنهم : * ( قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم ) * وههنا مسائل : المسألة الأولى : ليس في القرآن من القائل لذلك والمشهور أنه نمروذ بن كنعان بن سنحاريب بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح ، وقال مجاهد : سمعت ابن عمر يقول : إنما أشار بتحريق إبراهيم عليه السلام رجل من الكرد من أعراب فارس ، وروى ابن جريج عن وهب عن شعيب الجبائي قال : إن الذي قال حرقوه رجل اسمه هبرين ، فخسف الله تعالى به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . المسألة الثانية : أما كيفية القصة فقال مقاتل : لما اجتمع نمروذ وقومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنياناً كالحظيرة ، وذلك قوله : * ( قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ) * ( الصافات : 97 ) ثم جمعوا له الحطب الكثير حتى أن المرأة لو مرضت قالت : إن عافاني الله لأجعلن حطباً لإبراهيم ، ونقلوا له الحطب على الدواب أربعين يوماً ، فلما اشتعلت النار اشتدت وصار الهواء بحيث لو مر الطير في أقصى الهواء لاحترق ، ثم أخذوا إبراهيم عليه السلام ورفعوه على رأس البنيان وقيدوه ، ثم اتخذوا منجنيقاً ووضعوه فيه مقيداً مغلولاً ، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة إلا الثقلين صيحة واحدة ، أي ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم ، وإنه يحرق فيك فأذن لنا في نصرته ، فقال سبحانه : إن استغاث بأحد منكم فأغيثوه ، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه ، فخلوا بيني وبينه ، فلما أرادوا إلقاءه في النار ، أتاه خازن الرياح فقال : إن شئت طيرت النار في الهواء ، فقال إبراهيم عليه السلام : لا حاجة بي إليكم ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : " اللهم أنت الواحد في السماء ، وأنا الواحد في الأرض ، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري ، أنت حسبنا ونعم الوكيل " وقيل إنه حين ألقي في النار قال : " لا إله إلا أنت سبحانك ربك العالمين ، لك الحمد